الجمعة 03 ديسمبر 2021

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.11 3.13
    الدينــار الأردنــــي 4.34 4.36
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.61 3.63
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.21

الانتصار الحزين الذي لم يحدث.

  • 08:31 AM

  • 2021-11-17

زياد خداش :

في إحدى السنوات كنت هناك، كنت فقط أريد أن أفعل شيئًا رمزيًا، أن أعيده إلى مدينته المحبوبة ولو على شكل عظمة. كنت أعرف ماذا تعني له القدس، وأعرف ماذا يعني هو للقدس، قرأت يومياته الضخمة شهقة شهقة وامتلأت حتى الاختناق بتفاصيل لهفته ومعاركه ضد الجهل والصهيونية والطائفية، ولكن الكاتب الكبير ميّتٌ منذ أكثر من ستين عامًا، ولن يشعر بمتعة هذه العودة الرمزية. "إلهي، مالذي أفعله في مقبرة مار جرجس المصرية الضخمة وسط كل هؤلاء الأموات؟".

صيف عام 2006، رفقة صديقٍ من غزة وصديقة طبيبة من القاهرة، ذهبت إلى مقبرة مارجرجس في مصر القديمة، الحارس استغرب كلامنا: "نبحث عن قبر كاتب فلسطيني مقدسي مات عام 1953".

"لا أظن أن هناك قبورًا لفلسطينين هنا". قال الحارس، لكن حارسًا آخر كان يسمع حديثنا صاح من بعيد، "نعم نعم هناك قبر لمسيحي فلسطيني مع عائلته، هناك من جهة الشمال".

ركضنا إلى شمال المقبرة صحبة الحارس، وقفنا أمام جبانة، وقرأنا فوقها: جبانة عائلة خليل السكاكيني.

- هل هذا يعني أن خليل السكاكيني هنا الآن؟ سألت الحارس.

- نعم هو هنا مع بعض أقاربه عظامًا فقط.

- عظامًا؟.!

استغرب الحارس من استغرابي، وراح ينظر إلى الحارس الآخر، وإلى وجهي الصديقين المرافقين لي متسائلاً عن ما أريده بالضبط.

ركضتُ باتجاه الحارس الذي شعر بالفزع، أمسكته من يده وجررته بعيدًا، أخرجت من جيبي مئة جنيه، وضعتها في جيب قميصه، وأنا أهمس في أذنه: "وبعد أن تخرج لي عظمة من عظامه سأعطيك مئة أخرى".

ارتجف وجه الحارس:

- عظام من يا سيدي؟

- عظام الشخص العظيم الذي يسكن هناك. سنعود أنا وأصدقائي إلى بوابة المقبرة، أنتظرك هناك، وخلسة تسلمني العظمة ويستحسن أن تكون عظمة كتف، ثم أسلمك المائة جنيه الأخرى.

- ومالذي ستفعله بالعظمة يا سيدي؟

- سأعيدها إلى مكانها الصحيح.

- وأين مكانها الصحيح؟

- في القدس.

- ولكن الرجل ميت يا سيدي.

صحيحٌ أن الرجل ميت، ولكن بالإمكان تقديم خدمات للموتى، أريد أن أهديه انتصارًا صغيرًا حزينًا.

بحلق الرجل في وجهي لدقائق، واختفى من أمامي، بهدوء، مشيت باتجاه البوابة مع أصدقائي، بانتظار العظمة من الحارس الذي اختفى ولم يعد.

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات