الاربعاء 19 يونيو 2024

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.78 3.8
    الدينــار الأردنــــي 5.35 5.37
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.04 4.06
    الجـنيـه المـصــري 0.1 0.12

إيمان الناطور في "رسائل الخريف الضائعة" .. قراءة أولية

  • 23:20 PM

  • 2023-03-23

ناهـض زقـوت:

ما زالت الكاتبة والمبدعة ايمان الناطور في روايتها وقصتها القصيرة تنزف عبير الكلمات المعبقة بالأسى والحزن على واقع فلسطيني تعيش في ظله، وتتلفع بعباءته، فكانت أعمالها الابداعية معبرة عن واقعها وتغوص في الزمن إلى أبعد من الواقع المعاش إلى واقع لم تعشه بل تخيلته من حكايا الجدات والأجداد. 
بدأت إيمان الناطور خطواتها على طريق الكتابة في القرن الحادي والعشرين وتحديداً في سنة 2001، إذ نشرت أولى أعمالها الروائية (ياسمينا)، وكانت مجتهدة ومتواصلة فنشرت روايتها الثانية (ثمن دموعي – 2003)، وبعدها رواية (اقترب موسم الحصاد – 2019)، ورواية (فلسطين كنعان – 2020)، ورواية (هي وكورونا – 2020)، وجميعها من منشورات مكتبة سمير منصور للطباعة والنشر والتوزيع في قطاع غزة. ولم تتوقف إيمان عند الرواية بل خاضت تجربة كتابة القصة القصيرة، فنشرت (قيامة امرأة) و(على صهوة الشمس)، ومجموعتها الجديدة (رسائل الخريف الضائعة) الصادرة عن دار نفرتيتي للنشر، القاهرة 2023، وقد جاءت في 115 صفحة من القطع المتوسط، وضمت أربع عشرة قصة.
تشير إلى أن هذه المجموعة صدرت تضامناً مع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الاسرائيلي، وهي الجزء الثاني من مجموعتها "على صهوة الشمس". وهذا يعني أنها تكتب عن معاناة الأسرى الفلسطينيين، رغم أنها لم تدخل المعتقل، ولم تواجه سادية المحتل، إلا أنها ابنة فلسطين التي تدرك مدى المعاناة التي يعانيها أسرانا البواسل، ولكن من خلال قراءة المجموعة نكتشف توسع مساحة الأسر، من السجون الاسرائيلية إلى فضاء غزة الذي يعاني من سجن كبير.
وانطلاقا من ايمانها الوطني والانساني تكتب عن هؤلاء المغيبين خلف القضبان، والأسرى خلف أسلاك الحصار، فهي لم تكتب عن الأسرى بأسلوب مباشر، إنما عبرت عن البعد الانساني في حياتهم وأسباب معاناتهم، تقول في قصة "أبناء الكلمة" والمهداة إلى روح الطفل أسامة السرسك الذي قضى نحبه في مكب نفايات منطقة جحر الديك: "عندما وقعت مذكرات "محمد" في يدي لم أكن أبحث إلا عن الحقيقة، فقد كنت قطعت كلمة للمظلومين في هذه الأرض ألا أنقل لهم غير الحقيقة، مذكرات محمد كانت مهمة جداً بالنسبة لي لأنه كان يرافق "أسامة" كظله طوال الرحلة. قلبت الصفحات ثم بدأت أقرأ "في ذلك اليوم لم تكن تلوح في الأفق شمس إلا تلك الشمس المشرقة على شفتيه، هرب النور من الأرض جميعاً وتجمع فقط في عينيه". 
وأسرى الواقع الراهن في قطاع غزة، لا تقل معاناتهم عن أسرى الاحتلال، فهو في الحالتين السبب المباشر في معاناتهم، فيأخذون في البحث عن ماضيهم المشرق، ليشكلوا منه صورة في أذهانهم تعبر عن المعاناة، فالأرض كانت تحميهم من الجوع والفقر، وتحنو عليهم وتدفئهم من البرد، وحين غابت الأرض بقوا عرايا في مهب الرياح، تقول في قصة "رسائل الخريف الضائعة" المهداة إلى الأسير مروان البرغوثي: "جدتي كانت تنفي ولكني كنت أرى الذئاب في عينيها تتأمر مع أشجار الغاب، لسنين طويلة ظللت أنظر إلى جدتي وأشعر أن هناك مؤامرة لم تخبرني بها ولم ينكشف عنها ستار الليل بعد، وهأنذا كبرت، وغاب صوت جدتي لأدرك حقيقة المؤامرة، أدركت أن أشجار الفول لا تصل السحاب، وأن عالم العجائب كان وهماً كبيراً بحجم الخذلان الذي يبتلعني، وأن وطني ليس ضائعاً بل تم تضييعه عمداً، وأن ليلى راحت ضحية للذئاب منذ زمن بعيد". 
ويأتي السؤال الخارج من عمق المأساة بل عمق المعاناة، وهو سؤال الحرمان من الهوية والانتماء، تقول: "هل يحق لكل الجنسيات امتلاك أرض الفلسطيني إلا الفلسطيني نفسه؟ ... أعرف أن الفلسطيني مضطهد، وأنه يحارب سنين لأجل حقه وغالباً يقضي نحبه دون أن يسترجعه، لأن قوانين الغربان لا تعرف الرحمة". ولكنه ما زال الفلسطيني يمتلك الأمل بحكايات الجدات، وبمفاتيح البيت القديم.
لقد اختارت إيمان الناطور الطريق الصعب في كتابة القصة القصيرة، فحملت موضوعاتها هموم المرأة ومعاناتها في واقع معقد اجتماعياً وسياسياً، فالمرأة في قصة "ثورة وعي" المهداة إلى الأسيرة قاهرة السعدي. تخرج من معاناتها إلى معاناة أكبر فتحكي معاناة الأسيرة السعدي في تجربتها الاعتقالية التي دامت عشر سنوات، التي افترقت خلالها عن أولادها الذين كانوا بمثابة لحظات الصمود والتحدي بالنسبة لها، فهم الأمل الذي جعلها تقاوم إلى أن هزمت القيد وخرجت إلى النور بعد الظلام. وما زالت تلك المرأة تعيش غربتها في عالم من البرد والصقيع.
في مجموعة "رسائل الخريف الضائعة" تشعر بقوة انحياز الكاتبة إلى حرية الإنسان من خلال تنوع عوالمها وتعددها، كما تكشف هذه المجموعة عن امتلاك الكاتبة الجيد لأدوات التعبير والبناء القصصي، وفن الإحساس باللغة، والقدرة على رسم المشهد، والتقاط لما يصلح مادة قصصية، والقدرة على الوصول للقارئ من خلال القدرة على تشكيل عوالم متنوعة تروي فيها التفاصيل المتعلقة بحياة الإنسان الفلسطيني تحت الاحتلال، ومعاناته جراء الممارسات التي يمارسها هذا الاحتلال، ومدي انعكاسها على حريته الشخصية.

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات