عتبات الاغتراب في رواية ابقي بعيدة للكاتبة يسرا الخطيب
تاريخ النشر : 2021-09-21 21:59

شهيناز ابو شبيكة:

الاغتراب ظاهرة قديمة قدم الإنسان، فمنذ اللحظات الأولى لتكوين التجمعات السكانية صاحبتها مجموعة من الأزمات أو المشكلات التي نتج عنها بعض مظاهر الاغتراب التي عانى منها الانسان العربي والإنسان الفلسطيني خاصة، حيث عانى من سلسة متنوعة من المخاوف، فقد واجه الخوف من الاستعمار، والخوف من الضغوط الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والخوف من القهر، ومن السلطة وأجهزة الأمن وغيرها، حيث صاحب كل خوف ألوان من القهر والقمع والإكراه والتغريب، هذه كلها تؤدي إلى أن يصبح الإنسان مغترباً في أرضه ووطنه.

ولقد عانى الفلسطيني خاصة الأديب من مستويات متعددة من الاغتراب لما حل به من نكبات متعددة، وانتزاع قسري من الأرض، وهجرة عن الوطن، وما لاقاه من ضغوط في البلدان التي نزل بها، وحالة القلق وعدم الاستقرار التي يعيشها، فتارة نراه ينسحب من الواقع إلى حيث يضع نفسه على هامش الحياة، وتارة أخرى يرضخ للواقع القائم ويتعايش معه، وفي أحايين كثيرة نجده يتمرد على الواقع ويثور عليه، ومن هنا فقد انتهجت الكاتبة يسرا الخطيب نهج عمالقة الأدب مثل غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا في روايتها (ابقي بعيدة)، حيث غطت ظاهرة الاغتراب  جميع زوايا الرواية وبجميع أشكاله . فنلحظ عتبات الاغتراب في صفحة الغلاف والعنوان والشخصيات والأحداث والسرد والزمن. 

أما لوحة الغلاف فهي العتبة الأولى للاغتراب في رواية (ابقي بعيدة) نلحظ أنها لوحة غير واضحة، مشتتة، يطغى عليها اللون الأصفر الباهت الذي يشي بالبعد والقطيعة والخوف، ويتخلله ذلك الشكل الهندسي المستطيل الذي يحاصر شخصية ممزقة مشتتة غير واضحة المعالم، فيتبادر لذهن المتلقي سؤالاً لحوحاً أهي رجلاً أم امرأة؛ إلا أنها كشخصية تقف بكل صلابة، بعيدة كل البعد عن الانحناء، فهذا الشكل الهندسي كان بمثابة السجن الذي لحق بشخصيات الرواية سواء كان سجناً فعلياً أو سجناً نفسياً اجتماعياً سياسياً داخل وطنها وخارجه. فاللون الأصفر الباهت لصفحة الغلاف تجسد بالقلق، والانتظار، والخوف من الآتي، حيث تبدأ الكاتبة يسرا صفحات روايتها بإطلالة بطلتها (مريم) الحائرة بين لقاء مرتقب ودعوة لهروب دائم مترددة بين الحقيقة والتخيل، أما حبيبها او خطيبها (يحي سليم) فقد كان دخوله للسجن مرتين شاهداً على أحزانه وأوجاعه التي خلقت منه نفساً متوترة حائرة قلقة تعيش اضطراباً نفسياً مستمراً، فقد حُكم عليه في أول مرة مدى الحياة وخمسة مؤبدات، وخرج في صفقة تبادل، أما المرة الثانية فقد اعتقل وهو عائد من رحلة الحج وحكم عليه أربعة مؤبدات، وخرج أيضاً بصفقة تبادل، وبين هذين الحكمين قد أثَّر الاغتراب على يحي فظل الحاضر الغائب الصامت يقاوم وحدته، فأصبح كل شيء لديه مهزوز وكل الصور ضبابية فيقول :" ما يقلقني الآن ويخيفني أكثر؛ أن تبقى غربتي أزلية وتمتد لتحتل المساحة المتبقية من أيامي القادمة التي أشعر بخوائها " (الرواية ص36) ويقول أيضاً : "وهل لدينا طاقة على خوض معارك واختبارات جديدة  ممكن أن نتعرض لها في المستقبل ونحن من استنزفنا الاعتقال والغياب "  (الرواية ص188) .

أما مريم الصالح الفتاة الشجاعة القادمة من غزة العنقاء إلى سوريا والتي لا تعرف الخنوع ولا تقبل الخسارات فقد رفضت الواقع، ورفضت استنشاق الهواء الذي حرم على يحي فتحدت قسوة العالم وجبروته، فضاقت بها غربتها ووحدتها واتهام مجتمعها الغزي بالهروب وخذلان قضيتها، فأصرت على عدم الزواج إلا من يحي فأمضت حياتها على مقاعد الانتظار الباردة يسكنها برد الخوف وقلق الانتظار فتقول:" تغرق أسئلتي في ظلمات روح خنقتها وحشة أمكنة لم تعرفني من قبل، وأنهكني اغترابي عنك، وعن كل ما أحب؛ ليبقى صمتك المتعمد يبتلع كل الأجوبة التي أنتظرها" (الرواية ص 10) وتقول :" أما أنا فزادتني غربتي اغتراباً، فتفشى خوفي وتعمق جبني، بت أخاف الاقتراب من حاضرك الجديد، كي لا أحظى بفشلٍ محتمل، وما زلت أحارب الزمن بكل أحاييلي وصبري أوفقُ حيناً وأشعر بعجزي أحايين أخرى كنت وحيدة بين أناس غرباء عني، لا يعرفونني ولم يشاركونني تاريخي وقضيتي ولا يملكون إلا تعاطفهم الباهت " (الرواية ص40)   وتقول مخاطبة يحي :" حالنا واحد يلفك الصمتُ إلا من صوتٍ ملحٍ يتردد صداه من عمق سكونك، ليهدد روحك المتعبة والتواقة للحرية، صوت يسكن ذاكرتك لأناس عشت معهم؛ ليكون ترياقاً لوجعك ووحدتك ينبهك حتى للموت الذي يلف زنزانتك ويحرمك من حياتك ليمنحك حياة ترفض فيها الاستسلام والخنوع، تضيق بك زنزانتك وأنا تضيق بي غربتي ووحدتي، ولا أسمع إلا صدى صوتك يأتيني من عمق الروح؛ ليشعرني بأنني مازلت وحدي أحيا على طريقتك" (الرواية ص33) وتقول مريم :" في الغربة لا ماضٍ لنا، كل الحكايات بيننا هي مجرد لذكريات تخلو من فرح يجمعنا وأعياد تلملم شتاتنا" (الرواية ص 51)

أما عن السجن الذي يحاصر مريم فيتمثل في قولها :" الغربة كانت معتقلا لي وتلك المدن التي استبدلنا بها الوطن منفى واغتراب، واقعنا يدل علينا ... لا سقف لحلمنا ولا تذكرة مرور لنا كان يخيفني أن أصبح بلا مكان ولا ذاكرة، بعيدة عن أهلي وأحبتي وأصدقائي، وأستبدل هذه الشوارع بشوارع لا تعرفني وأرض لا تستدل علي عقيمة هذه السنوات ... فالغربة سجن آخر والاغتراب في الوطن منفى، " (الرواية ص 139)   ...  " فالغربة قاتلة في أرض قاحلة لم ترويني ولم تمطر علىَّ بسخائها هنا في الوطن نقول ونصرخ ونشكو أما هناك نموت قهراً ووجعاً ونلتزم الصمت حتى لا نطرد لإخلالنا بأمن البلاد " ( الرواية ص 141)

أما نوار والتي حكم عليها بالسجن خمس سنوات، وهي بريئة مما نسب إليها من اتهامات، فقضت وقتها خائفة على طفلها الذي يسكن أحشائها، وعلى طفلتها وزوجها، وأمها وأبيها، فتقول النوار :" عشت وحدتي القاتلة تلفني عزلتي الباردة والقلق يضرسني ليلاً ونهاراً في ذلك المكان الرطب المعتم لا أرى إلا العتمة ولا ألمس إلا حقيقة عارية غيبتني عن أحبتي  فتعاقبت الفصول وأنا في عتمتي أغرق وأحاول السباحة للأعلى نحو عزلتي ... وكم يوم مضى وأنا مغيبة عن هذا العالم وحدي أغترف وجع المكان وتفاصيل التجربة" (الرواية 251)

أما عن نقاط الثبات والعزيمة والقوة في الرواية فتتمثل بإصرار مريم الصالح على ابنها المعتقل والمحكوم تسع وتسعون عاماً أن ينجب طفله الثاني بنضفة مهربة من السجن، والذى كان حدثٌ فريد من نوعه، فكان انتصاراً لإرادة الأسير ورغبته في العيش كسائر البشر، فيكون أباً له امتداد وأمل يجعله متمسكاً بالحياة متحدياً للظلم.

وتطل علينا ثاني عتبات الاغتراب في الرواية، فيظهر في عنوانها والذي يعد عتبة نصية مهمة بالنسبة لنا فالعنوان يتحول إلى أداة مصاحبة تأخذ بيد القارئ حتى لا يضل في متاهات النص؛ فتنقطع صلته به رغم أنه داخله (محمد عبد المطلب، بلاغة السرد، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ط1، 2001م، ص 18) فنلحظ من عنوان رواية (ابقي بعيدة) أنه عبر وبشكل كبير جداً عن مضمونها فتضمنت بعد الشخوص عن واقعهم، وعن أنفسهم حيث بدأ العنوان بفعل الأمر (ابقي) بما يحمله من قسوة وظلم وحكم جائر، أما كلمة (بعيدة) فقد جسدتها المرأة في هذه الرواية متمثلة بالشخصية الرئيسة (مريم) التي اختارت البُعد بَعدَ أسر خطيبها يحي أما بعد خروجه فقد وجه لها كلمته القاتلة في قوله: " لكن لي رجاءٌ وحيدٌ يا مريم أن تتركي لي حقاً واحداً عليك "ابقي بعيد" .(الرواية ص36) إلا أنها أصرت على الاقتراب والعيش معه وأنجبت صالح و وليد، إلا أن القدر أصدر حكمه بالبعد الحتمي الدائم حيث ماتت مريم بعد خروج يحي من سجنه الثاني .

أما نوار الذي فخذلها زوجها ورأى أن يأخذ طفلاها بعيداً عن مشاكل أمهم ومشاغبتها باحثاً عن الأمان كما ظن وكما أقنعه أهله وأصدقاؤه محتكماً لقانون البشر، فأنكر حقها برؤية طفليها وقام بالعودة بهم إلى غزة، وبذلك أغلق كل الأبواب في وجه النوار، فأصبح لقاؤهم مستحيل بسبب الحصار والانقسام (الرواية ص265) فهذه النوار سُلبت حياتها، واغتصب باقي عمرها، واغتيلت روحها . فخرجت من سجنها ليضمها وطنٌ بات سجنها الأكبر، وطن بحكومتين واحتلال، يحكمه ثلاثة قوانين، فأصبحت وطفلاها قضية قانونية إنسانية تاهت مشروعيتها بين شرعية حكومة غزة وحكومة رام الله" (الرواية ص278)

ولا ننسى الأسير إبراهيم وبعده عن جدته التي ربته وحيداً، وتمنت أن تزوجه ليكون عائلة تكون عزوته، إلا أن أهل زوجته قد منعوها من زيارته، وأجبروه على طلاقها ليبقوها بعيدة عنه (الرواية 108-107)،

ونجد أم صلاح والتي نخجل من وجعنا أمامها، فهي أم الأسرى تحارب بكل قوتها، وتصمد بعنفوانها الراسخ أمام السجون الظالمة، والتي أبعدت أبنائها الثلاثة عنها وحرمتها رؤيتهم، فابنها صلاح في سجن عسقلان محكوماً تسع وتسعون عاماً، وعمار محكوم أربعة مؤبدات في سجن الرملة، أما خليل فيقضي حكم مدى الحياة في سجن نفحة، فكانت أقصى أمانيها أن تزورهم في معتقل واحد، إلا أن هذه السجون الظالمة أبقتها بعيدة عن أبنائها  (الرواية 109-110)       

أما العتبة الثالثة للاغتراب في الرواية، فتتمثل في الاغتراب الزمني الذي يعد عنصراً مهماً من العناصر التي تقوم عليها الرواية الحديثة، والتي اتخذت من الزمن موضوعاً لها، وبالتالي يمكن القول بأن الزمن ألصق تقنيات السرد بالقص الروائي (ينظر سيزا قاسم، بناء الرواية ، دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984م، ص26)،  ففي رواية ابقي بعيدة لا يوجد تزمين دقيق لأحداثها، بحيث تحاول الكاتبة فرض بنية زمنية معينة، وهذا يفسر الثراء والتنوع الذي تميز به التناول الزمني لتجربة البطل /السارد وبعض الشخصيات في الرواية، ويرجع ذلك إلى أن الكاتبة لم تقم بتقديم الأحداث من الوجهة التاريخية الزمنية، وإنما قدمتها بوصفها، لتسيطر على ذهن المتلقي وتسلب لبه، هذا وإن لم تخلُ الرواية من بعض الإشارات لتاريخ بعض الأحداث مثل حرب 2008 على غزة (مجزرة المواقع)، وصفقات تبادل الأسرى، والأحد الأسود، وغيرها من الأحداث التي قد وردت في الرواية، وعلى الرغم من عدم التزمين الدقيق لأحداث الرواية إلا أن الكاتبة قد استطاعت إبراز تأثر الذات الساردة بالتحولات التي شهدها الواقع الفلسطيني مما دفعها إلى استخدام تقنية الاسترجاع أو الارتداد لتعبر عن حالة الاغتراب التي عاشتها الشخصيات، فكشفت عن المكنونات الداخلية، والنفسية للشخصية، واستبطان دواخلها من خلال الحوار الداخلي الذي يتعمق في الذات والوجدان،  فقد حاولت الشخوص في الرواية استنطاق الماضي لتعتمد عليه في مقاومة زمنها وإحداث التغيير الذي تطمح إليه في المستقبل .

وأرى أن اكتفاء الكاتبة باستخدام ضمير المتكلم نيابة عن اسم السارد البطل في سرد أحداث روايتها، يدلل على أنها تبرز ذاتها الداخلية، وتسقط على الضمير شيئاً منها، حتى يتبدى للمتلقي بأن المتحدث هو الكاتب، فيبدأ بالربط بين الكاتب والشخصية الساردة في الرواية،  ومن هنا تنقل لنا الكاتبة الأحداث بصيغة ذاتية تدل على أنها جزءاً لا يتجزأ من الأحداث من خلال ضمير المتكلم وهو ضمير يحيل على الذات بمرجعيته الداخلية، حيث تذوب الفوارق الزمنية والسردية بين الراوي والشخصية والزمن، فيتحكم في مجاهل النفس ويتوغل فيها، فيتعداها بصدق، ويقدمها إلى المتلقي (ينظر: عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد، عالم المعرفة، الكويت، 1998م، ص159)     

وفي نهاية حديثي تعتبر رواية (ابقي بعيدة) للكاتبة يسرا الخطيب امتداداً لروايات الأديب الراحل غسان كنفاني والتي عالجت قضية اغتراب الإنسان الفلسطيني بكل أنواعه المكاني، والنفسي، والاجتماعي، والسياسي، والذاتي، فجميع شخصيات الرواية ابتعلت الغياب، وقاست مرارة الفقد، وفقدت الهدوء، والاستقرار، والأمن، والأمان.