حسن خضر:
عدنا من استقبال جثمان ياسر عرفات ومراسم الدفن في المقاطعة، إلى السكاكيني. محمود درويش، وأحمد عبد الرحمن، وأنا. لم يكن ثمة من سبب واضح للعودة، ربما خشية أن يختلى أحد بنفسه في اليوم العصيب.
يصعب أن يستفرد الصمت بثلاثة أشخاص في مكان واحد. ومع ذلك، بدت العبارات القليلة، التي كسرته، مفتعلة إلى حد زاد من ثقله، كأنه الرابع المهيمن في المكان. فجأة قال أحمد عبد الرحمن بصوت اختنق بالدمع: "لم يبق غيرك يا محمود".
عمل أحمد عبد الرحمن ناطقاً باسم ياسر عرفات، ومؤسسات كثيرة في فترات مختلفة من حياته، ورئيساً لتحرير مجلة فلسطين الثورة، المجلة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
كان، كما يقول الإخباريون القدامى، من الجيل "الذي شهد المشاهد كلها". التحق بالحركة الوطنية في لحظة صعود الفلسطينيين إلى قاطرة التاريخ، تجرّع مرارة ما تكبّدت من هزائم، وانتشى بما حققت من انتصارات، وألقت مؤهلات شخصية، وملابسات جغرافية وسياسية، على عاتقه عبء تحويل هذه الأشياء كلها إلى "تصريحات رسمية".
لم تكن وظيفة "الناطق الرسمي" في اليوم العصيب دافع عبارته القصيرة التي كسرت الصمت، بل اجتمعت فيها صداقة ثلاثين عاماً على "طريق البيت"، وقناعة ترسّخت مع الأيام بمكان ومكانة محمود درويش في الحيز الشخصي الضيّق، والفضاء الوطني العام.
لم تكن لدى ياسر عرفات ثقافة يُعتد بها، ولكن مهاراته السياسية الفريدة، وأسلوب حياته، وشجاعته، وشخصيته الكاريزمية، جعلت منه قائداً مُلهماً للحركة الوطنية، وعلى نحو خاص لرجال ونساء في دائرته الضيقة. وقد كان من الواضح لهؤلاء مكانة محمود درويش الرفيعة عند "القائد العام".
سمعت، ذات يوم، حكاية رواها شخص من الدائرة الضيقة، في سياق الكلام عن حاسة ياسر عرفات الأمنية، وحرصه على سلامة محمود درويش. قال:
كنّا في مهرجا الشقيف الشعري، في قاعة جمال عبد الناصر في جامعة بيروت العربية، قبل اجتياح 1982.
لم تكن الأوضاع الأمنية على ما يرام، في تلك الأيام، وقد اتخذنا احتياطات أمنية كثيفة. كان عرفات بين الحاضرين، وبعدما انتهى محمود من القاء قصائده، وقبل نزوله عن المنصة، صاح بلهجة آمرة وقاطعة: "خدوا بالكم من محمود".
لم تكن وظيفة "الناطق الرسمي" دافع العبارة، التي كسر بها أحمد عبد الرحمن الصمت في ذلك اليوم العصيب، ولكن ما تراكم من خبراتها البلاغية على مدار عقود طويلة، معطوفة على الشخصي والعام، جعلت من عبارة اجتمع فيها "ما قل وما دل" شاهداً على حجم ما بقي لنا، وضاع منّا، على طريق البيت في اليوم العصيب.
وُلد محمود درويش في مثل هذا اليوم، قبل 85 عاماً. لم يعد بيننا الكثير ممن كانوا على طريق البيت. ولكن: لا أحد يذهب تماماً، ولا فرغت الطريق من السائرين.
الآراء المطروحة تعبرعن رأي كاتبها أوكاتبته وليس بالضرورة أنها تعبرعن الموقف الرسمي
لـ"ريال ميديا"
