الاحد 08 مارس 2026

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.1 3.12
    الدينــار الأردنــــي 4.38 4.4
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.66 3.68
    الجـنيـه المـصــري 0.065 0.067

طيـــور من ورق

  • 02:16 AM

  • 2021-05-27

فـــاروق وادي:

لو لم يستشهد الطفل "يوسف فتح الله ستيتيّة"، في يوم ملتهب من ربيع العام 1936..

لو امتد العمر بالفتى حتّى اللحظة، لكان الآن قد أصبح جداً طاعناً يروى لأحفاده في هذا الزمن، عن تلك الأيّام التي تأسست فيها جذور الثورة، وربما كان أولاده وأفاده هم من يمتلكون رواياتهم!

لا أعرف عن يوسف الصغير، الشهيد الذي ذهب دمه في ذلك الفجر المبكِّر، سوى ما تصدّر الصفحة الأولى من عدد جريدة "النفير" الفلسطينيّة الصادر في الثالث من أيار 1936، والذي جاء يحمل عنواناً احتل مساحة الصفحة بكاملها: " شهداء فلسطين يستقبلون الطفل الشهيد يوسف فتح الله ستيتيّة وله من العمر(12) اثنى عشر عاماً فقط. إشهد أيها العالم. إشهدي يا أوروبا واشهدو أيها المتمدنون"!

ربما يكون يوسف فتح الله ستيتيّة هو شهيد فلسطين الطفل (الأول؟!). ولولا الصفحة الأولى من "النفير"، التي نقلتها جريدة حديثة عن الجريدة الفلسطينية القديمة.. فخلقت بذلك طائراً ورقياً حلّق بأجنحة التاريخ من زمن يوسف إلى زماننا، لغاب اسم يوسف ستيتيّة إلى الأبد.

لكن يوسف، ما زال بحاجة إلى تسعمائة وتسع وتسعين طائراً ورقياً حتّى نوقد ذكراه من جديد!

(2)

لم تمت "سداكو سساكي"، ابنة العامين، في ذلك اليوم الرهيب، حيث حصدت القنبلة التي ألقيت على هيروشيما مئة ألف من أهالي المدينة اليابانيّة، شرعوا يتزايدون منذ ذلك اليوم، بفعل تعرضهم للإشعاعات النوويّة.

عندما كبرت سداكو قليلاً، رغم تغلغل الإشعاعات في دمها، أدركت بوعي ابنة الثانية عشرة أنها هالكة لا محالة.

وكالغريق الذي يتعلّق بقشّة، تعلّقت سداكو بالأسطورة..

اتكأت سداكو الصغيرة، بروحها التوّاقة، وجسدها المنهك، على أسطورة يابانيّة قديمة، تقول أن أمنية الإنسان تتحقق إذا ما تمكّن من صنع ألف طائر من الورق.

وقد جندت الفتاة الصغيرة أصابعها وعينيها وقلبها وأحلامها لصنع ألف طائر ورقي، يرف فوقها ألف حلم بأن تشفى، لتعيش في عالم يخيِّم عليه السلام.

لكن الموت داهم الفتاة قبل أن تحقق حلمها، وقبل أن تصل عصافيرها الورقيّة إلى السبعمائة طائر، لم تفلح على كثرتها في أن تعطي للأسطورة القوّة اللازمة لتحقيق أمنية الصغيرة.

غير أن صاحبات سداكو سساكي تطوعن بالأمر، وانهمكن في صناعة ما تبقى من الطيور، حتّى بلغت الألف، ما أتاح لهن منح الأسطورة فرصة للتحقق. فقد ظلّت سداكو حيّة متيقظة، في وجدان ملايين الأطفال اليابانيين.. وقلوبهم الصغيرة.

(3)

السنوات العشر الفاصلة بين شعاع القنبلة ولحظة رحيل سداكو ساساكي، أتاحت للطفلة أن تتعرف على ملامح قاتلها، وأن تشير إليه بسبابتها الواهنة. غير أن "إيمان حجّو" (وبعدها العشرات وربما المئات من أطفال فلسطين، حتى الأمس وأوّل من أمس) ذهبت إلى نهايتها في شهرها الرابع، فلم تتمكن من الإشارة إلى قاتلها بأصابعها التي من عشب وحليب. ولعلها، يقول الشاعر.. "لم تعرف بعد أنها قُتلت"!

لم يتطوّع "إبراهيم نصر الله" في "مرايا الملائكة"، ديوانه المكرّسة قصائده لإيمان حجو، بالإشارة الواضحة إلى قاتل بات أشهر من أن يعرّف. ولكنه آثر أن يخوض المغامرة الأصعب.. مغامرة كتابة سيرة إبداعيّة لطفلة مزقتها القذيفة، فألغت أحلامها وقتلت غزالاتها الشاردة. قتلت البنت قبل أن تكبر.. وتحب.. و"تتشيطن".. وتلبس "حذاء بكعب". ولأن جسد الطفلة الشهيدة كان لمّا يزل من مادة الحلم عندما ذهبت غيلة.. "حين مرّت مقاتلة في السماء وألقت على حلمها قنبلة" ، فقد أعاد الشاعر صياغة سيرة العشبة في طلعتها الأولى بما يليق بها من رقّة وشفافية. ولم يكن ثمّة أمامه، في تحدي المغامرة الإبداعية إلاّ مادة الشعر.

وحده الشاعر، ولا معين له إلاّ الحروف والكلمات، تطوّع للمهمة الصعبة!

لم يكتب إبراهيم شعراً فحسب،

لم يكتب مجرّد سيرة فاتها أن تعاش، وكان على صاحبتها أن تكتبها بعد زمان.. وزمان!

ولكنه، إلى ذلك، تطوع، وحيداً، بصناعة ألف طائر من الورق لطفلة فلسطينيّة شهيدة، اسمها إيمان حجّو. طفلة ستكبر حتماً في الموت، ورغم الموت.. لأنها ستحيا من جديد في قصيدتها وفي رحاب ديوان من الشعر. ولأن صورتها ستنعكس، وإلى الأبد.. في "مرايا الملائكة"!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اللوحة للفنّان: سليمان منصور

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات